الثلاثاء، 12 يوليو 2011

النائحةُ و الثكلي في ميدان التحرير

هناك رأيٌ عامٌ هائجٌ هادرٌ هاتفٌ بين جموع الناس في ميدان التحرير و غيره ، ، يطالب بالقصاص من رموز النظام السابق ، و ربما لا نستطيع أن نُفرِّقَ في هذه الجموع بين النائحة و الثكلي ، أو بين الأغلبية الطيبة التي تطالب بالقصاص لإحقاق الحق ، و بين القلة الدخيلة التي تهيِّجُ الجموع بأسلوب " اللطيمةَ اللطيمة " ، كأسلوب جديدٍ من أساليب الفلول التي تتربص بالثورة ، و قد رأينا أحدَهم يمسك بصورة شهيدٍ في أحداث البالون ، و يصرخُ " قتلوا أخي .. قتلوا أخي " ، فاستوقفتْه أختُ ذلك الشهيد و سألتْه : هل تعرف هذا الشهيد ، فقال لها إنه شقيقي ، فعلِمَتْ أنه دخيلٌ يزايد علي دماء الشهداء . فهناك عَكَارةٌ في الميْدان ، تُشجِّعُ علي قطع الطريق ، و منع المواطنين من الوصول إلي مصالحهم ، فبعد أن كان الميدانُ سلمياً نبيلا صافيا في بداية الثورة ، ليس فيه إلا الثوار بحق ، أصبحنا نري فيه ثائرا ، و زائرا ، و حائرا ، و جائرا ، و بائرا ، و غادرا ، و سادرا ، و كاسرا .

و أظن أن التوسط َ و الاعتدال و الانضباط في تحديد المطالب المتفق عليها ، أو في أسلوب المطالبة بها ، أمرٌ ضروريٌّ ، بحيث لا تكون هذه المطالبات هي نفسها عائقاُ عن استكمال المسيرة ، و تعطيلا عن الخروج من الفترة الانتقالية ، و فرصة لمزايدات بعض الفلول ، التي فشلت أساليبها الصريحة في الوقوف أمام الثورة ، فلجأت إلي ثوب الثورة نفسها ، ترتديه و تزايدُ عليه و تجرُّه بعيداً عن أسلوبه السلميّ الحضاريّ الرائق الذي كانت عليه .

إن المَطالبَ يجب أن تكون واقعية و موضوعية و عليها إجماع الغالبية ، و إلا دخلت فيها فيها الغوغائية و الالتباس بفعل فاعلين قلائل يستغلون مشاعر الناس العادلة ، و يثيرون السخط علي كل جهد مبذول مهما دفع فيه من جهد و إخلاص .

إن المَطالبَ إن لم تنضبطْ فلن تنتهيَ ، فهناك رؤوس النظام ، و هناك الضباط الذين تم عزلهم من الشرطة مؤخرا ، و ربما كانوا هم المنفذين و ليسوا المحرضين ؟ . ، و هناك نجد المُحرِّضين الأساسيين من أجهزة أمن الدولة ، و هم الذين كانوا يدبرون في الخفاء ، و إلي أي رتبة نقف في هذا الجهاز السرطاني ؟ . ، و هناك أئمة النفاق في النظام السابق ، الذين كانوا يكيلون المدح و الثناء الزائف في كل غدوة أو روحة للرئيس المخلوع ، و ما زالت لهم اليوم أقلامٌ بألوانٍ مختلفة في أجهزة الإعلام ؟. ، و هناك ناجحٍ بالتزوير في مجالسنا التشريعية و هم أغلبية فيها ، و هناك من أعان علي ذلك التزوير من الأجهزة الكثيرة المختلفة ؟ . ، و هناك شيطانٌ أخرس شهد الباطل و عايَنَ المنكر في النظام السابق و سكت عنه و لم يفتح فمه ببنت شفة ؟ . و هناك .. ، و هناك .. ، و أظن أن كلَّ هؤلاء متضامنين هم شركاء بدرجاتٍ متفاوتة في كل الجرائم المنسوبة للنظام السابق . و لا نستطيع أن نجبر القاضي العادل علي الإسراع في إصدار الحكم استجابةً للرأي العام ، و يترك التزامه بالدليل القطعي خاصة في مسألة الحكم في الدماء ، و هو الذي يعلم أن الخطأ في العفو أولي من الصواب في العقوبة ؟. و نحن نعلم أن قضيةَ شيكٍ بدون رصيد و لو بملغ زهيد ربما كانت تأخذ في محاكمنا أكثر من سنتين أو ثلاثة ؟.

إننا يجب أن نتوسط بين تحديد المطالب المتفق عليها و المداومة علي رفعها بأسلوب حضاري كما كان في بداية الثورة ، و بين التزيد الذي يفتح الباب أمام الغوغائية و لا يعترف بأي جهد مبذول من أناس ربما يحاولون قدر ما يمكنهم إصلاح ما أفسده نظام سابق في عقود ثلاثة ماضية ، كان من أخطر إنجازاته فيها تخريب الضمائر و إفساد الأخلاق في عددٍ غير قليل من أجهزة الحكم و ملحقاتها .

لقد انتقلنا بعد الثورة بفضل الله من عهدٍ إلي عهد ، من عهد ظلمٍ و ظلام إلي عهد عدلٍ و نور ، و هذا الانتقال كفيل وحده بأن تنصلح فيه كثيرٌ من الأمور ، فيجب أن نتوسَّطَ بين تتبع جرائم الماضي و إعطاء التحقيقات العادلة فرصتها ، و بين الالتفات للعمل للحاضر و المستقبل ، فنُرَشِّد مطالبنا المتفق عليها ، و لتكن فقط هي مطالب الثكلي بحق ، دون النائحة بالباطل .

**

أشرف محمد

منقوووووول

هناك تعليق واحد: